على هامش القمة الثانية والثلاثين للاتحاد الأفريقي، وقفت الشابة الأثيوبية سلام وندِم في غرفةٍ مكتظةٍ
بالحضور من ساسةٍ بارزين ومديرين تنفيذيين مرموقين لتقول: "أنا شابةٌ
طموحةٌ وعلى استعداد لتغيير وجه بلادي أثيوبيا".
فقد كانت وندِم، البالغة من العمر 29 عاماً، مدعوةً للحديث أمام هذا التجمع في أحد أرقى
فنادق العاصمة أديس أبابا، كواحدة من أصحاب المشاريع في مجال التكنولوجيا.
وكانت تأمل في اغتنام هذه الفرصة لإقناع حكومات القارة بدعم النظم التكنولوجية الصديقة للبيئة. ولحسن حظ وندِم فقد وجدت جمهوراً متجاوباً في أثيوبيا. ففي العام الماضي، شهد هذا البلد انتخاب آبي أحمد، 42 عاما، رئيساً للوزراء. وسرعان ما كان لهذا الرجل بصماته في مجالاتٍ عدة، عبر القيام بسلسلةٍ من الإصلاحات الشاملة، وهو ما تضمن - مثلاً - إطلاق سراح آلاف السجناء السياسيين، واستئناف العلاقات الدبلوماسية مع إريتريا.
وشملت سياساته أيضا إدخال تغييرات على قطاعات التعليم والمالية والاتصالات والأنشطة التجارية، وهو ما شكّل مؤشراً على أن التكنولوجيا أصبحت الآن أولويةً بالنسبة لحكومته.
وفي ضوء ذلك، تؤمن وندِم وغيرها بأن أديس أبابا ربما تكون في طريقها لأن تصبح قريباً واحدةً من مراكز الابتكار الرائدة في أفريقيا، ما يجعلها قد تنافس تلك القائمة بالفعل في هذا المضمار، مثل نيروبي ولاغوس وكيب تاون.
ومن المعروف أن نصف مراكز التكنولوجيا في القارة الأفريقية توجد حالياً في أربعٍة بلدان فقط، وهي كينيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا وغانا. وتوفر هذه الدول 75 في المئة تقريباً من تمويل الشركات الناشئة، وهو تمويلٌ يتزايد بوتيرةٍ متسارعةٍ بفعل تدفق المستثمرين على أفريقيا. وفي عام 2018 وحده، ازداد ذلك التمويل بواقع أربعة أضعاف مُقارنةً بالعام السابق.
وتريد الشابة الأثيوبية أن تصبح بلادها وشركتها العاملة في مجال تصنيع المنظومات المستخدمة في مجال "الزراعة في الماء" جزءاً من هذه الموجة من النمو. وساعدها في تأسيس شركتها مركز "بلو موون"، وهو واحدٌ من المراكز الكثيرة المعنية برعاية المواهب والابتكارات في أديس أبابا.
ولا يختلف هذا المركز المؤلف من ثماني طوابق عن نظرائه من المراكز المماثلة في مختلف أنحاء العالم. لكن خلف سماته الشكلية التي تتصف بالجمال، تكمن رؤيةٌ غير معتادةٍ بشأن طبيعة المشكلات التي يتعين على التكنولوجيا إيجاد حلولٍ لها.
وفي هذا السياق، يقول بيتلهم داسي، وهو معلمٌ في مجال التكنولوجيا بمؤسسة "آي كوغ لابس" التي تعد أكبر مركز للذكاء الاصطناعي في البلاد، إن "التكنولوجيا تُستخدم في الدول المتقدمة لتوفير الراحة والرفاهية، لكنها في أثيوبيا توفر الضروريات نفسها".
وبالرغم من أن أثيوبيا شهدت نمواً اقتصادياً مستمراً وبنسبةٍ لا يُستهان بها على مدى عقدين من الزمان، فإنها لا تزال واحدةً من أقل دول العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي، فضلاً عن أن غالبية سكانها من المزارعين الذين يعيشون على حد الكفاف.
والآن يولي الشبان الأثيوبيون اهتمامهم بالتكنولوجيا في محاولة للتغلب على التحديات التي تواجههم. وتقول إيليني غابر-مادين، مُؤسسة "بلو موون"، إن "الأفكار العظيمة تشكل بالأساس حلولاً للمشكلات. وإذا كان هناك ما يوجد لدينا، فهو الكثير من المشاكل".
وترى غابر-مادين أن شركةً مثل "إم - بيسا"، التي تقدم خدماتٍ مصرفيةً عبر الهاتف وتتخذ من كينيا مقراً لها، تمثل نموذجاً يكشف عن كيف يمكن أن تؤدي التكنولوجيا إلى حدوث تحولاتٍ كبيرةٍ وفريدةٍ من نوعها في اقتصاديات الدول النامية. لكن الأمر لا يقتصر على ذلك، فالمناخ في مجالاتٍ مثل الزراعة والتعليم والرعاية الصحية، يبدو مهيئاً الآن لحدوث مثل هذه "الوثبات" التكنولوجية.
ومن بين النماذج الأثيوبية في هذا الصدد، شركةٌ ناشئةٌ تحمل اسم "فلويس"، تتبنى نهجاً راديكالياً على صعيد تصنيع مواسير للمياه بأسعارٍ معقولةٍ وباستخدام تقنياتٍ متطورة.
يقول ماركوس ليما، وهو أحد مؤسسي الشركة: "هناك الكثيرون ممن يسيرون لمسافاتٍ طويلةٍ للعثور على المياه. نريد ابتكاراً من النوع الذي يكون ذا مغزى في السياق المجتمعي من أجل إيجاد حلولٍ محليةٍ للمشكلات" الموجودة في المجتمع المحلي."
وقد شارك ليما كذلك في تأسيس "آيس أديس"، وهو مركزٌ آخر للابتكارات التكنولوجية لا يبعد مقره كثيراً عن مقر "بلو موون"، وقد أُنشيء عام 2011 وكان الأول من نوعه في المدينة حينذاك. وقد شَهِدَ هذا الرجل خلال السنوات القليلة الماضية كيف يتزايد اهتمام الشبان الأثيوبيين بازدهار التكنولوجيا في بلادهم، واصفاً ذلك بأنه أمرٌ ذو "طابعٍ جنوني".
وبالفعل، فخلال أقل من عقدٍ من الزمان، ظهرت قرابة 100 شركة ناشئة في هذه البيئة لتشجيع الابتكارات والتقنيات الحديثة في أديس أبابا. ويتلقى ليما يومياً الكثير من الطلبات لعقد اجتماعاتٍ معه من جانب المتحمسين لهذه التقنيات. ويسعى هؤلاء للحصول على مشورته والتعرف على الكيفية التي يمكنهم بها دخول السوق في هذا المجال.
ويرى هذا الرجل أن التزايد الكبير في قدرة الأثيوبيين على الاتصال بشبكة الإنترنت، يشكل أحد العوامل الرئيسية التي أدت لحدوث هذا التغير. ففي عام 2011 لم تكن نسبة القادرين على الوصول إلى الشبكة العنكبوتية في أثيوبيا تتجاوز واحد في المئة من السكان، أما الآن فقد وصلت إلى أكثر من 15 في المئة.
وقد شهدت دول أفريقيا جنوب الصحراء طفرةً مماثلة على صعيد زيادة عدد مستخدمي الإنترنت، بفضل توسع نطاق شبكات الهواتف المحمولة، جنباً إلى جنب مع الانخفاض المستمر في أسعار الهواتف الذكية. ويقول ليما: "عندما يتصل عددٌ أكبر من الأشخاص بالإنترنت فإنهم يعلمون الإمكانات المتاحة لهم وكيف يبدو العالم من حولهم، وهو ما يخلق كثيراً من الحماس والدوافع لديهم".
وتمثل وندِم وشركتها الناشئة نموذجاً مثالياً في هذا الشأن. فهذه الشابة تقول إنها تعرفت على تقنية "الزراعة في الماء" هذه من خلال مقاطع مصورة شاهدتها على موقع "يوتيوب"، وشعرت بالدهشة عندما عَلِمَتْ أنه بالإمكان زراعة محاصيل دون وجود تربة. وقد طوّرت وندِم هذه التقنية وابتكرت نموذج أعمالٍ جديداً، صُمِمَ على نحوٍ يتلاءم مع ظروف المجتمع الأثيوبي.
Comments
Post a Comment